شهدت مصر خلال الأيام الماضية تحركات احتجاجية سياسية ومهنية وحقوقية داخل البلاد وخارجها، في وقت تتزايد فيه القيود الأمنية على المجال العام وتتقلص مساحات العمل السياسي والمدني، بحسب تحليل أعده نون بوست، فيما تستعد الحكومة لعقد مؤتمرها في نهاية أكتوبر لعرض ما تعتبره إنجازات أمام الجمهور.
وطرح «نون بوست» تساؤلات بشأن ما إذا كانت هذه التحركات المتزامنة تعكس خيطًا مشتركًا بينها، أم أن تزامنها لا يتجاوز حدود المصادفة، خصوصًا مع اختلاف المشاركين والسياقات والمطالب. كما يبحث التقرير في احتمال تحول هذه التحركات من احتجاجات قطاعية منفصلة إلى لحظة أوسع من الحشد الاجتماعي، بأساليب ولغة تختلف عن أنماط التعبئة السياسية التي سادت في مراحل سابقة.
بدأت التحركات في 16 سبتمبر، عندما عقدت شخصيات وكيانات بارزة من المعارضة المصرية في الخارج مؤتمرًا عامًا في لاهاي بهولندا، بمشاركة عدد من رموز المعارضة. وناقش المشاركون قضايا الإصلاح السياسي وأوضاع معتقلي الرأي، إلى جانب طرح رؤى بشأن مستقبل مصر والمرحلة المقبلة.
وسرعان ما انتقلت الاحتجاجات إلى الداخل، لكن هذه المرة من بوابة الحريات والحقوق المهنية. ونظم صحفيون وقفات واعتصامات داخل نقابة الصحفيين بعد إلقاء القبض دفعة واحدة على ستة صحفيين من منصة «ماتصدقش» الاستقصائية، في واقعة وصفها التقرير بأنها غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث.
وأثارت الاعتقالات غضبًا واسعًا بين الصحفيين، ودفع ذلك إلى الدعوة لاتخاذ خطوات رمزية وتصعيد الاحتجاجات تدريجيًا للمطالبة بالإفراج عن زملائهم والدفاع عن حرية ممارسة الصحافة.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة الدعوات إلى التحرك تحت شعار «أكتوبر هو البداية»، للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين وتحسين ظروف الاحتجاز وإنهاء الحبس الاحتياطي المطول، على أن تجري التحركات المعلنة في 7 و8 و9 أكتوبر.
وشهدت مصر خلال السنوات الماضية احتجاجات سياسية ومهنية وحقوقية متفاوتة من حيث الحجم والتأثير، لكن ما يميز التحركات الحالية هو وقوعها في التوقيت نفسه، وفي بيئات مختلفة، وبمشاركة مجموعات متنوعة، ما يفتح الباب أمام تساؤل أساسي حول وجود رابط مشترك بينها.
ولا يتعلق السؤال فقط بمدى وجود تنسيق بين هذه التحركات، بل يمتد إلى ما يمكن أن يحدث لاحقًا: هل تبقى الاحتجاجات محصورة داخل القطاعات التي خرجت منها، فتشكل متنفسًا مؤقتًا للمتضررين، أم تتبلور لحظة أوسع من الحشد الاجتماعي والسياسي؟
احتجاجات متعددة وسؤال واحد عن حرية التعبير
تختلف خلفيات الاحتجاجات الحالية ودوافعها وسياقاتها، إذ تجمع بين قضايا سياسية وحقوقية ومهنية داخل مصر وخارجها. ومع ذلك، يبدو أنها تلتقي عند سؤال مركزي: من يملك الحق في الكلام والاحتجاج ورفع صوته؟
ويساعد هذا السؤال على تفسير جانب مهم من الاحتجاجات الأخيرة. فقد تحدث ناشطون ومدافعون عن حقوق الإنسان عن هتافات وتحركات احتجاجية نفذها محتجزون، من بينهم سجناء رأي، رغم القيود المشددة المفروضة عليهم.
وقد تشكل الأحداث التي شهدها سجن المنيا شديد الحراسة أحد الأمثلة على ذلك، إذ طالب سجناء بحقهم في الحديث عن الانتهاكات التي يتعرضون لها. ووفقًا لناشطين، ردت إدارة السجن بفرض مزيد من القيود، بينما نفت وزارة الداخلية هذه الرواية.
وخارج أسوار السجون، ظهر السؤال نفسه في الاحتجاجات التي شهدتها نقابة الصحفيين. فلم تقتصر مطالب الصحفيين المشاركين في الوقفة التضامنية على الإفراج عن زملائهم المحتجزين، وإنما امتدت إلى حق الصحفيين في التعبير والعمل وإبداء آرائهم دون الخوف من الملاحقة أو الاحتجاز.
وردد الصحفيون في هتافاتهم وبياناتهم أن الصحافة والرأي ليسا جريمة، وأن الدستور والقانون يكفلان حرية التعبير.
وظهر المبدأ نفسه خلال مؤتمر المعارضة المصرية في لاهاي، وإن جاء في سياق سياسي واضح، إذ ركز المشاركون على الحق في التعبير والنقد وكشف أوجه القصور والمطالبة بالإصلاح. وامتد هذا الخطاب إلى فعاليات أعقبت المؤتمر، من بينها وقفة نظمها ناشطون أمام السفارة المصرية في لاهاي دعمًا لمطالب تتعلق بالحريات والمحتجزين وحرية التعبير.
ورغم عدم وجود أدلة على وجود مركز تنظيمي مشترك أو تنسيق مباشر بين هذه التحركات، يبدو الخيط السياسي الذي يربط بينها أكثر وضوحًا من أي رابط تنظيمي. فسجين يرفع صوته من داخل زنزانته، وصحفي يحتج داخل نقابته، ومعارض يتحدث من الخارج، يتحرك كل منهم من موقع مختلف وبمطلب خاص، لكنهم جميعًا يطالبون بمساحة أكبر للتعبير والاعتراض والمشاركة في الحياة العامة.
ما الجديد في موجة التحركات الحالية؟
تحمل التعبئة الحالية عدة دلالات لافتة؛ بعضها يعزز استنتاجات سابقة بشأن المشهد المصري، بينما يقدم بعضها الآخر مؤشرات جديدة على الكيفية التي يمكن أن تتطور بها طبيعة الاحتجاج ووسائله واتجاهاته خلال المرحلة المقبلة.
وتبرز أولى هذه الدلالات في حدود المقاربة الأمنية للتوتر السياسي والاجتماعي. فلم تمنع شدة ظروف الاحتجاز، إلى جانب القيود والانتهاكات التي تتحدث عنها شهادات حقوقية، بعض السجناء من التعبير عن آرائهم والمطالبة بحقوقهم.
وتشمل المطالب الرئيسية الإفراج عن المحتجزين الذين لم تصدر بحقهم إدانات في جرائم جنائية، وإنهاء الحبس المطول في القضايا المرتبطة بالرأي والتعبير.
ويظهر نمط مشابه، وإن اختلفت التفاصيل، بين الصحفيين. إذ تتحدث منظمات صحفية وحقوقية عن قيود على الإعلام وضغوط مهنية واقتصادية، إلى جانب إجراءات تتراوح بين الملاحقة والاحتجاز وحجب المواقع وإغلاق أماكن العمل.
لكن المعارضة لم تختفِ بصورة كاملة؛ ففي لحظات معينة، يتحدى بعض الصحفيين القيود المفروضة على مهنتهم، مطالبين بحرية الصحافة والكرامة المهنية والإفراج عن الصحفيين المحتجزين بسبب آرائهم أو كتاباتهم.
غير أن التطور الأكثر تميزًا هذه المرة يرتبط بالأفكار التي طرحها بعض أعضاء المعارضة المصرية في الخارج خلال مؤتمر هولندا. ورغم محدودية الحضور وضعف التغطية الإعلامية للمؤتمر، حاول المشاركون تجاوز خطاب الإدانة والاحتجاج ورفض السلطة الحاكمة الذي طبع جانبًا من خطاب المعارضة لسنوات.
وسعى المشاركون إلى طرح بديل وتقديم تصورات لما تسميه المعارضة «اليوم التالي»، بما يشمل شكل الدولة والمسارات المحتملة للمرحلة الانتقالية وكيفية إدارة الفترة التي تتصورها المعارضة عقب انتهاء السلطة الحالية.
وبصرف النظر عن الملاحظات والتحفظات على المؤتمر، ومدى واقعية مقترحاته أو قدرتها على التحول إلى برنامج سياسي قابل للتطبيق، فإن الانتقال من سؤال أسباب رفض الوضع القائم إلى سؤال شكل البديل يمثل تحولًا لافتًا في خطاب المجموعات المشاركة.
كما يمثل هذا التحول محاولة لمعالجة واحدة من أكثر المشكلات استمرارًا داخل المعارضة المصرية خلال السنوات الأخيرة، وهي غياب رؤية شاملة لبديل سياسي.
ويبرز تطور آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الانتقال التدريجي من مبادرات المؤسسات والناشطين المتخصصين في قضايا الحقوق إلى تحرك المتضررين أنفسهم وأسرهم.
ومن الأمثلة على ذلك مبادرة «كفاية سجون.. نساء من أجل العدالة»، التي أطلقتها نساء من أسر المحتجزين، وطالبت بالإفراج عن النساء المحتجزات بسبب آرائهن، وإنهاء الحبس المطول وما تصفه المبادرة بـ«التدوير» واستمرار الاحتجاز لفترات طويلة.
وتسعى هذه المبادرات إلى إعادة تعريف القضية، عبر تقديم حالات المحتجزين باعتبارها أزمة مستمرة تتجاوز كل حالة فردية لتطال أسر المحتجزين ودوائرهم الاجتماعية الأوسع، بما تسببه من تكاليف اقتصادية واجتماعية وإنسانية تتراكم على مدار السنوات.
ولهذا تدعو المبادرات إلى اتخاذ قرار سياسي وقانوني يعالج قضية الاحتجاز بسبب الرأي والتعبير بصورة شاملة، بدلًا من التعامل مع كل حالة على حدة.
وقد يشير ذلك إلى واحدة من أهم دلالات الاحتجاجات الحالية، وهي أن الاحتجاج لم يعد بالضرورة محصورًا في الأساليب التقليدية أو التنظيمات السياسية والحقوقية المعروفة. فيحتج السجناء من داخل الزنازين، ويتحرك الصحفيون داخل نقابتهم، وتحاول المعارضة الانتقال من الاحتجاج إلى طرح البديل، بينما تبدأ أسر المحتجزين في الانتقال من انتظار الحل إلى ممارسة الضغط من أجل الوصول إليه.
احتجاجات قطاعية أم موجة شعبية جديدة؟
لا يزال من المبكر إصدار حكم حاسم على التعبئة الحالية في مصر، سواء باعتبارها مقدمة لموجة جديدة من الاحتجاج الشعبي أو مجرد تحرك قطاعي محدود. فما زال حجمها المباشر محدودًا حتى الآن، بين مؤتمر للمعارضة في الخارج محدود الانتشار التنظيمي والجغرافي والتأثير، واعتصام صغير للصحفيين داخل نقابتهم، واحتجاجات داخل السجون لا تشكل في حد ذاتها ظاهرة جديدة.
لكن محدودية حجم هذه التحركات لا تعني بالضرورة محدودية أهميتها. فهناك أسباب تدفع إلى قراءتها بصورة مختلفة عن احتجاجات سابقة، خصوصًا من حيث توقيتها وانتشار التعبير الاحتجاجي بين بيئات ومجموعات مختلفة خلال فترة زمنية قصيرة، بدءًا من المعارضة السياسية في الخارج، مرورًا بمؤسسة مهنية داخل البلاد، وصولًا إلى السجون.
ويصعب تجاهل تزامن هذه التحركات، حتى في ظل غياب أدلة على وجود تنسيق مباشر بينها.
وتزداد أهمية هذا التوقيت في ظل استمرار العوامل التي تغذي التوتر الاجتماعي، من ضغوط المعيشة والاقتصاد، إلى المظالم الحقوقية وتقلص الحريات والقيود على الحياة العامة، إلى جانب حالة الجمود التي ترى مجموعات سياسية وحقوقية أنها تطال البلاد بصورة عامة.
ولا تعني هذه الظروف بالضرورة اندلاع احتجاجات واسعة النطاق، لكنها تظل عوامل أساسية عند تقييم احتمال خروج التحركات المحدودة من نطاق المجموعات التي بدأت داخلها.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها اختبارًا جديدًا للمجال العام في مصر: مؤسسة مهنية تتحرك للدفاع عن أعضائها، وسجناء يحاولون تحويل الحالات الفردية المتفرقة إلى فعل جماعي، ومعارضة في الخارج تسعى إلى إعادة صياغة خطابها والانتقال من الاحتجاج وإدانة الوضع القائم إلى طرح بديل ومناقشة تصورات «اليوم التالي».
ويبقى السؤال المركزي مرتبطًا بقدرة هذه المجموعات على تجاوز حدودها الحالية. فهل تظل المسارات الثلاثة منفصلة، لكل منها جمهورها ولغتها ومطالبها وأساليبها؟ أم يمكن أن تتوسع تدريجيًا وتتقاطع مع مجموعات اجتماعية ومهنية وسياسية أخرى؟
وهل تستطيع المعارضة في الخارج استقطاب تيارات وقوى أخرى داخل البلاد وخارجها تحت مظلة أوسع؟ وهل يمكن أن يمتد الاحتجاج المهني من نقابة الصحفيين إلى نقابات ومهن أخرى؟ وهل تظل احتجاجات السجون محصورة خلف الجدران، أم تجد صدى لدى مجموعات أخرى تواجه مظالم اقتصادية أو حقوقية مختلفة؟
وستحدد الإجابات عن هذه الأسئلة إلى حد كبير دلالة ما يجري على الأرض. فالفارق بين احتجاج قطاعي وموجة اجتماعية أوسع لا يكمن فقط في رفع شعارات أكثر طموحًا، وإنما في قدرة المطالب المتفرقة على التقاطع والوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع، وإنشاء مساحة مشتركة تجمع المطالب السياسية والمهنية والحقوقية والمعيشية المختلفة.
https://www.noonpost.com/en/385413/amp/

